أدبالأسرة والطفلثقافةخاطرةمقالات

الفيل والنملة… فلسفة الأوزان الخفية.

الفيل والنملة… فلسفة الأوزان الخفية.

كتبته / ا. ريم ماهر .

في مسرح الطبيعة، لا شيء يُترك للمصادفة، ولا كائن يُلقى في الوجود عبثًا. كل مخلوقٍ محمول على ميزانه الخاص، كأن الكون وزّع الأثقال كما وزّع الأدوار، فلا يثقل جسدٌ إلا لأنه خُلق ليحمل ثقله، ولا يخفّ آخر إلا لأنه قُدّر له أن ينساب في الحياة كنسمةٍ عابرة.

وحين يتأمل الإنسان هذا التفاوت، يطلّ عليه السؤال البسيط في ظاهره، العميق في جوهره: كيف لفيلٍ ضخم لا يأكل سوى العشب أن يغدو كتلةً هائلة من اللحم والعظم؟ وكيف لنملةٍ صغيرة، لا تدع حبّة سكرٍ إلا وتدّخرها، أن تظل خفيفة كأنها لا تزن شيئًا؟

هنا، يُدرك المرء أن الطبيعة تكتب حكمتها بلغةٍ لا تُقرأ إلا بالتأمل: فالفيل ليس ضخماً لأن الأعشاب تُسمّنه، بل لأن بنيته جُبلت لتحمل أثقال الأرض، ولأن وجوده رسالة في الصبر والبطء والرسوخ. إن جسده الضخم صورة لقانون خفي يقول: ليست المادة وحدها من تصوغ الجسد، بل الفلسفة التي خُلق بها الكائن.

أما النملة، فهي مثال آخر للمعادلة المقلوبة. فهي تلتهم السكر بلهفة، لكنها لا تثقل. لا لأن السكر بلا أثر، بل لأن حجمها لا يسمح له أن يُحدث فرقًا. النملة رقيقة كالحلم، لكنها تحمل أضعاف وزنها دون أن تنكسر. كأنها تقول لنا: “الحلاوة ليست فيما نأخذ، بل فيما نتحمّل”. إنها خفيفة، لأن وظيفتها الحركة والعمل، ولأن رسالتها أن تذوب في الجماعة دون أن تستوقف النظر.

وهكذا تتجلّى المفارقة: ليست المسألة مسألة غذاء، بل مسألة غاية. الفيل لا يُعرّف بالخضار التي يأكلها، بل بالهيبة التي يجسّدها. والنملة لا تُختزل في حبّها للسكر، بل في مثابرتها التي لا تُرى إلا من خلال أثرها. الأجساد ليست مجرد حصيلة لما يدخلها، بل انعكاس لما وُجدت لتحمله من رسالة.

تعلّمنا الطبيعة أن الأوزان ليست “كيلوات” تُقاس بالميزان، بل رموز وجودية تُقاس بالغاية. فهناك أجساد تُثقِلها الرسالة حتى تغدو جبالاً تمشي، وأخرى تخفّها الغاية حتى تذوب في خفاءٍ لا يُدركه إلا من يمعن النظر.

إنها فلسفة الأوزان الخفية:

ليس الثقل من طعامٍ يُؤكل، بل من قدرٍ يُحمَل.

فالوجود لا يُقاس بما دخل المعدة، بل بما استقر في الروح؛ فالفيل جسدٌ يفيض صبرًا ليُعلّمنا الثبات، والنملة ظلٌّ خفيف يهمس لنا بمعنى المثابرة. وبين ثقل الرسالة وخفّة الغاية، يمضي الكون في توازنٍ لا يُدركه إلا من تأمل أن لكل كائنٍ وزنه الخفي الذي لا تراه العيون، بل تُبصره البصائر.

“الأوزان الحقّة لا تُقاس بالكيلو، بل بالغاية التي تحملها الروح”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى